أبي منصور الماتريدي
409
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تزكيت ، أو هل لك رغبة إلى ما تزكو به نفسك وتنمو . ثم في هذه الآية دلالة أن من أراد أن يدعو آخر إلى ما فيه رشده وصلاحه ، فالواجب عليه أن يدعوه أولا بالرفق واللين ؛ كما أمر موسى وهارون - عليهما السلام - بقوله : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [ طه : 44 ] ، وبقوله : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ثم إذا ترك الإجابة ختم كلامه بالتعنيف ؛ كما فعل موسى - عليه السلام - بقوله : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [ الإسراء : 102 ] بعد قوله : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الإسراء : 102 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ، أي : أهديك إلى ربك فتهتدي ، ثم تخشاه إذا اهتديت ؛ أي : عرفت عظمته وجلاله ؛ فتخشى عقوبته ؛ فيكون العلم مثمرا للخشية ؛ ألا ترى إلى قوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] . أو « 1 » أهديك إلى طاعة ربك ، وأنذرك عقابه إذا عصيته ؛ فتخشى ؛ فلا تعصيه . وقوله - عزّ وجل - : فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى : منهم من ذكر أن الآية الكبرى هي اليد ؛ سميت : كبرى ؛ لأن سحرهم عمل في الحبال « 2 » والعصي ، ولم يعمل في اليد ؛ فكانت هذه الآية خارجة عن نوع سحرهم ، فسميت : كبرى ؛ لهذا المعنى . ومنهم من ذكر أن الآية الكبرى هي العصا ؛ لأن غلبة موسى - عليه السلام - على السحرة كانت بالعصا ، حيث تلقفت ما أتوا به من السحر ، ولكن كل آياته كانت كبرى ، كما قال في آية أخرى : وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [ الزخرف : 48 ] ، فكانت إحداهما أكبر من الأخرى عند ذوي الأحلام والنهى لمن تأمل فيها وتدبر ، والله الموفق . وقوله : فَكَذَّبَ وَعَصى ، أي : كذب بآيات الله ، وعصى نبيه موسى ؛ فلم يطعه . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ، قال الحسن : كان خفيفا طيّاشا ، وإلا فالملوك إذا دعوا إلى أمر تدبروا فيه وتفكروا : إما ليجيبوا الداعي إلى ما دعاهم ، أو ليردوا عليه ، فأما الإدبار والسعي فليس إلا من الخفة والطيش . وقال غيره « 3 » : أدبر عن طاعة الله - تعالى - وتولى عنه ، وسعى في جمع السحرة . أو سعى في جمع من قال لموسى - عليه السلام - : فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا
--> ( 1 ) في ب : و . ( 2 ) في ب : الجبال . ( 3 ) قاله الربيع بنحوه أخرجه ابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 513 ) .